محمد بن جرير الطبري

85

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فحاصروهم أشهرا ، وأكثروا فيهم القتل وقتل البراء بن مالك فيما بين أول ذلك الحصار إلى أن فتح الله على المسلمين مائه مبارز ، سوى من قتل في غير ذلك ، وقتل مجزاه بن ثور مثل ذلك ، وقتل كعب بن سور مثل ذلك ، وقتل أبو تميمة مثل ذلك في عده من أهل البصرة وفي الكوفيين مثل ذلك ، منهم حبيب بن قره ، وربعي بن عامر ، وعامر بن عبد الأسود - وكان من الرؤساء - في ذلك ما ازدادوا به إلى ما كان منهم ، وزاحفهم المشركون في أيام تستر ثمانين زحفا في حصارهم ، يكون عليهم مره ولهم أخرى ، حتى إذا كان في آخر زحف منها واشتد القتال قال المسلمون : يا براء ، اقسم على ربك ليهزمنهم لنا ! فقال : اللهم اهزمهم لنا ، واستشهدني . قال : فهزموهم حتى أدخلوهم خنادقهم ، ثم اقتحموها عليهم ، وارزوا إلى مدينتهم ، وأحاطوا بها ، فبيناهم على ذلك وقد ضاقت بهم المدينة ، وطالت حربهم ، خرج إلى النعمان رجل فاستامنه على أن يدله على مدخل يؤتون منه ، ورمى في ناحية أبى موسى بسهم فقال : قد وثقت بكم وامنتكم واستامنتكم على أن دللتكم على ما تأتون منه المدينة ، ويكون منه فتحها ، فآمنوه في نشابه فرمى إليهم باخر ، وقال : انهدوا من قبل مخرج الماء ، فإنكم ستفتحونها ، فاستشار في ذلك وندب اليه ، فانتدب له عامر بن عبد قيس ، وكعب بن سور ، ومجزاه بن ثور ، وحسكه الحبطى ، وبشر كثير ، فنهدوا لذلك المكان ليلا ، وقد ندب النعمان أصحابه حين جاءه الرجل ، فانتدب له سويد بن المثعبة ، وورقاء بن الحارث ، وبشر بن ربيعه الخثعمي ، ونافع ابن زيد الحميري ، وعبد الله بن بشر الهلالي ، فنهدوا في بشر كثير ، فالتقوا هم وأهل البصرة على ذلك المخرج ، وقد انسرب سويد وعبد الله بن بشر ، فاتبعهم هؤلاء وهؤلاء ، حتى إذا اجتمعوا فيها - والناس على رجل من خارج - كبروا فيها ، وكبر المسلمون من خارج ، وفتحت الأبواب ، فاجتلدوا فيها ، فاناموا كل مقاتل ، وأرز الهرمزان إلى القلعة ، وأطاف به الذين دخلوا من مخرج الماء ، فلما عاينوه وأقبلوا قبله قال لهم : ما شئتم !